النووي

56

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

وَكَذَا عَكْسُهُ إِلَّا أَنَّ ضَمَانَ الْعُهْدَةِ جَائِزٌ . وَلَا يَجُوزُ الرَّهْنُ بِهِ . هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَحُكِيَ وَجْهٌ : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْعُهْدَةِ . وَوَجْهٌ عَنِ الْقَفَّالِ : أَنَّهُ يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهَا . قُلْتُ : كَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ ، وَالْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ مَا صَحَّ ضَمَانُهُ ، صَحَّ الرَّهْنُ بِهِ إِلَّا فِي مَسْأَلَةِ الْعُهْدَةِ وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا ، أَنَّ ضَمَانَ رَدِّ الْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ ، صَحِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ بِهَا ، بَاطِلٌ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَمِمَّنِ اسْتَثْنَاهَا الْغَزَالِيُّ فِي « الْبَسِيطِ » . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَ بِالدَّيْنِ الْوَاحِدِ رَهْنًا بَعْدَ رَهْنٍ ، ثُمَّ هُوَ كَمَا لَوْ رَهَنَهُمَا مَعًا . وَلَوْ كَانَ الشَّيْءُ مَرْهُونًا بِعَشَرَةٍ ، وَأُقْرَضَهُ عَشْرَةً أُخْرَى عَلَى أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا بِهَا أَيْضًا لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْجَدِيدِ الْأَظْهَرِ . فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ ، فَطَرِيقُهُ أَنْ يَفْسَخَ الْمُرْتَهَنُ الرَّهْنَ الْأَوَّلَ ، ثُمَّ يَرْهَنُهُ بِالْجَمِيعِ . وَلَوْ جَنَى الْمَرْهُونُ ، فَفَدَاهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ لِيَكُونَ مَرْهُونًا ، بِالدَّيْنِ وَالْفِدَاءِ ، صَحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ نَصُّهُ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحَ الرَّهْنُ ، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ إِبْقَاءَهُ . وَقِيلَ : فِيهِ الْقَوْلَانِ . وَلَوِ اعْتَرَفَ الرَّاهِنُ أَنَّهُ مَرْهُونٌ بِعِشْرِينَ ، ثُمَّ رَهَنَهُ أَوَّلًا بِعَشَرَةٍ ثُمَّ بِعَشَرَةٍ ، وَقُلْنَا : لَا يَجُوزُ ، وَنَازَعَهُ الْمُرْتَهِنُ ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ ؛ لِأَنَّ اعْتِرَافَ الرَّاهِنِ ، يُقَوِّي جَانِبَهُ ، وَلَوْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ فِي جَوَابِهِ : فَسَخْنَا الرَّهْنَ الْأَوَّلَ ، وَاسْتَأْنَفْنَا بِالْعِشْرِينَ رَهْنًا ، فَهَلِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ لِاعْتِضَادِهِ بِقَوْلِ الرَّاهِنِ ، رَهَنَ بِعِشْرِينَ أَمْ قَوْلُ الرَّاهِنِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْفَسْخِ ؟ وَجْهَانِ ، مَيْلُ الصَّيْدَلَانِيِّ إِلَى أَوَّلِهِمَا ، وَصَحَّحَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ الثَّانِي ، وَرَتَّبَ عَلَيْهِ فَقَالَ : لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ رَهَنَهُ بِأَلْفٍ ، ثُمَّ بِأَلْفَيْنِ لَمْ يُحْكَمْ بِأَنَّهُ رَهَنَ بِأَلْفَيْنِ ، مَا لَمْ يُصَرِّحَا بِأَنَّ الثَّانِي كَانَ بَعْدَ فَسْخِ الْأَوَّلِ .